فخر الدين الرازي
49
تفسير الرازي
الحجة الحادية عشر : أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم : * ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ) * وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام ، كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له : * ( إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ) * ( هود : 54 ) ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار . الحجة الثانية عشرة : أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للإلهية ، وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه . أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير ، فالسؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم : هذا ربي . وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان : الأول : أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة . الأول : أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الأخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وإلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله ، ومثاله : أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول : الجسم قديم ؟ فإذا كان كذلك ، فلم نراه ونشاهده مركباً متغيراً ؟ فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه ، فكذا ههنا قال : * ( هذا ربي ) * والمقصود منه حكاية قول الخصم ، ثم ذكر عقيبه ما يدل على فساده وهو قوله : * ( لا أحب الآفلين ) * وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب ، والدليل عليه : أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى : * ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) * . والوجه الثاني في التأويل : أن نقول قوله : * ( هذا ربي ) * معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء : أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى : * ( وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفاً ) * ( طه : 97 ) وقال تعالى : * ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائي ) * ( القصص : 62 ) وكان صلوات الله تعالى عليه يقول : " يا إله الآلهة " . والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) أي عند نفسك . والوجه الثالث في الجواب : أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط